وقف السيد عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، أمام مؤتمري ومؤتمري الحزب في لحظة وصفها بالدقيقة في تاريخ التنظيم الحزبي. وأوضح منذ الوهلة الأولى أنه يقف أمام الحضور مستحضرًا نفس الوعي والطموح الصادق الذي رافقه منذ البداية، مؤكدًا أن حضوره لم يكن يومًا رهين المواقع أو الصفات، بل نتاج إيمان عميق بالعمل الحزبي الجاد بوصفه أساس الممارسة الديمقراطية السليمة، وأن السياسة حين تُمارس بصدق تصبح عملًا إصلاحيًا نبيلًا.

وأضاف أن الحزب اختار منذ البداية وضع الوطن في صدارة اختياراته، وأن بوصلته دائماً موجهة نحو المصلحة العامة. وأكد أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات العابرة، بل بصدق الالتزام ووضوح الرؤية.

وأشار إلى أن انعقاد المؤتمر الاستثنائي في هذا الظرف جاء في سياق حزبي وطني دقيق وحساس، وأن بلادنا تمر بمرحلة مفصلية تتطلب من الحزب الارتقاء إلى مستوى التحدي. وقال إن مسؤولية الحزب تكمن في تقديم نموذج سياسي مختلف يؤسس لتخليق الحياة السياسية، ويعيد الاعتبار للعمل الحزبي الجاد، ويجدد الثقة بين السياسة والمجتمع.

وأوضح أن المرحلة الراهنة تستدعي رؤية شاملة تجمع بين الواقعية والطموح، وأن تلك الرؤية يجب أن تكون قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية في مغرب يتغير بسرعة ويحتاج إلى نخبة سياسية واعية وأحزاب قوية ومسؤولة، وذلك انسجامًا مع الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي جعلت العدالة الاجتماعية وتعزيز المؤسسات أساسًا لهذا المسار.

وأشار أخنوش إلى أن مسؤولية الحزب اليوم جسيمة، وأنها تتطلب مواصلة تسخير كل الطاقات لخدمة الوطن، مؤكدًا أن قوة الحزب تستمد من التزام مناضليه ووضوح اختياراته السياسية.

وتوقف عند اللحظة التاريخية التي انطلق فيها مسار الحزب منذ 29 أكتوبر 2016، مشيرًا إلى شعور الفخر والاعتزاز بما أنجزوه جميعًا في إعطاء الحزب بعدًا جديدًا في الممارسة السياسية، ينهض على الالتزام والمسؤولية وخدمة الصالح العام.

وأضاف أن هذا المسار انطلق فعليًا في سنة 2017 بمدينة الجديدة، حاملاً رهان هيكلة حزب قوي ومتماسك وقادر على الاستمرار، يقوم على ديمقراطية داخلية حقيقية تضمن تكافؤ الفرص وتدمج جميع المناضلات والمناضلين دون إقصاء، مؤمنًا بالاختلاف الخلاق بدل الإجماع الشكلي.

وبيَّن أن من رحم هذا المسار الميداني والفكري المتكامل تبلورت هوية الحزب، التي اختارت الديمقراطية الاجتماعية كمرجعية واضحة توازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وتضع الإنسان في قلب السياسات العمومية دون إغفال متطلبات النمو والاستدامة.

وأشار إلى وعي الحزب بالتحولات المجتمعية المتسارعة، ومن ثم كان خيار إحداث منظمات موازية كخيار استراتيجي لإدماج الشباب وتمكين المرأة وفتح المجال أمام الفئات المهنية، حتى يكون الحزب كما وصفه مرآة حقيقية للمجتمع بتنوعه وتعدده وانتظاراته.

وأكد أن العمل الحزبي لا يمكن أن يُنظر إليه كسباق نحو الصدارة فقط، وإنما كأداة لصناعة تغيير حقيقي يبدأ من الأفكار ويتجسد في الممارسة اليومية بمشاركة المواطن. ومن هذا المنطلق اعتبر النقاش وتعدد الآراء واختلاف وجهات النظر عناصر قوة دليلًا على حيوية التنظيم ونضج تجربته وقدرته على التجدد بعيدًا عن الجمود.

وشدد على أن أي مشروع حزبي لا يتغذى من نبض الواقع ولا ينصت لانشغالات المواطنات والمواطنين يظل محكوماً عليه بالانفصال عن المجتمع، وأن جودة الخطاب وحدها أو كثافة الحضور الإعلامي لا تعوضان هذا الانفصال.
وفي هذا الإطار أطلق الحزب المؤتمرات الجهوية سنة 2018، التي اعتبرها فضاءات حقيقية للنقاش المفتوح والحوار الصريح، ووسيلة لإعادة بناء الثقة بين الحزب ومناضليه وبين الحزب وبيئته المجتمعية.

وأشار أخنوش إلى أن من هذه التراكمات ولد “مسار الثقة”، الذي ساهم في إغناء النقاش العمومي حول رؤية الحزب للإصلاح، وكان فعل استماع قبل أن يكون فعل قرار، مما أتاح للمواطنات والمواطنين التعبير بحرية ووضوح عن رؤيتهم لمغرب الغد.
وأضاف أن الحزب وضع أولويات المواطن محور رؤيته للإصلاح، والتي تتجسد في:
الولوج السلس والكريم إلى الخدمات الصحية.
تعليم جيد يضمن تكافؤ الفرص.
تشغيل مدمج وعادل يعترف باختلاف التكوينات والمسارات ومنح كل فرد فرصة الاندماج والمساهمة في بناء الوطن.
وأكد أن هذه الأولويات تحولت إلى ركائز أساسية للاستقرار المجتمعي، وأرضية للنمو الاقتصادي، وأساسًا للعدالة الاجتماعية. وأوضح أن ما يهمهم ليس فقط تشخيص هذه الإشكالات بل التعامل معها بروح المسؤولية وبمنهجية واقعية وبانخراط جماعي واسع.

وأشار أخنوش إلى مبادرة “100 يوم، 100 مدينة” التي استهدفت المدن الصغرى والمتوسطة بهدف الاقتراب من المواطن وفهم إكراهات الحياة اليومية، وأدت إلى إطلاق “مسار المدن” لترسيخ فعلي لمسارات القرب والإنصات.
واستعرض أخنوش بعدها البرنامج الانتخابي لسنة 2021، معتبراً أنه ليس مجرد تجميع للوعود بل خلاصة مسارات طويلة من الاستماع والتشخيص والعمل الميداني القريب من الناس، ساعي إلى تجاوز إكراهات هدر الزمن التنموي الذي عانت منه البلاد لسنوات.

وقال إن الثقة التي منحها المواطنون للحزب لم تُعامل كلحظة انتصار حزبي ضيق، بل كمسؤولية كبرى تستوجب الوفاء بالالتزامات، والعمل بجدية وتواضع، واستحضار حجم التحديات.
وفي السياق الحكومي، أكد أن تشكيل أغلبية قوية ومتماسكة كان هدفًا لإعادة الاعتبار لمفهوم الأغلبية السياسية، والقطع مع ممارسات أسهمت في إضعاف الثقة في العمل الحكومي، ودفع فئات واسعة من المواطنين إلى العزوف عن الشأن العام. وأضاف أنهم حرصوا على منطق الفريق وروح المسؤولية المشتركة في صياغة برنامج حكومي مشترك واضح الأولويات، قابل للتنزيل ومنسجم مع حاجيات المرحلة.
وأوضح أن البرامج وحدها لا تكفي لصناعة النجاح، وأن النجاح يقتضي نساء ورجال دولة قادرين على تنزيل السياسات، مؤمنين بالمشروع ومستعدين لتحمّل كلفة القرار في سياق دولي معقد غير مستقر.
وتطرق إلى الظروف الدولية والآثار المستمرة لجائحة كوفيد والتحولات الجيوسياسية، وكذلك التحديات الوطنية مثل سنوات الجفاف القاسية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مبيناً أن التماسك الحكومي والمنهجية الواقعية عززتا صمود الاقتصاد الوطني واحتويا موجات التضخم دون المساس بالتوازنات الكبرى، مما يضمن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

وأضاف أن ما يعتز به حقًا هو تعزيز أسس الدولة الاجتماعية الحقيقية في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من خلال:
دولة تحمي مواطنيها أمام الهشاشة.
دولة تُكفل التغطية الصحية الشاملة للجميع.
دعم اجتماعي مباشر لفائدة ملايين الأسر المغربية في تحول عميق في فلسفة الدعم الاجتماعي قائم على الاستحقاق والإنصاف والكرامة.
الاستثمار في المدرسة العمومية، الصحة العمومية، كرامة النساء والرجال وبناء الإنسان المغربي كثروة حقيقية وأساس المستقبل.
وأكد أن الحوار الاجتماعي كان له مكانته المستحقة كرافعة للاستقرار، مع خيار التفاوض الجاد بدل منطق التأجيل، والتوافق المسؤول بدل الصدام.
وتطرق أخنوش إلى “مسار التنمية” الذي أكد أهمية الديمقراطية المحلية، مؤسسات قوية، منتخبين أكفاء، وموارد بشرية مؤهلة لإنجاز السياسات العمومية بفعالية ومسؤولية، مما جعل المنتخب الجماعي أداة حقيقية في خدمة الساكنة من خلال تحسين البُنى التحتية وتوسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وأبرز أنه من هذا السياق ظهر “مسار الإنجازات”، الذي تجسد في عمل ميداني واسع شمل جهات المملكة المختلفة، وتواصل صريح حول الحصيلة المحلية والحكومية مع استحضار الإصلاحات الكبرى في التشغيل والتعليم والصحة.
وشدّد على أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بسهولة الطريق بل بعمق الأثر، حتى وإن تأخر ظهور بعض ثماره بعد انتهاء الولاية.
وأكد أن حزب الأحرار يعود دائما إلى الأصل: الإنصات الجاد، النقاش المسؤول، والتفكير الجماعي في مغرب الغد، مغرب يثمن المكتسبات ولا يخشى نقد الذات، يستشرف المستقبل بعين واقعية ويحول هذا الوعي إلى رؤية صلبة تخدم الأجيال القادمة.
وأشار إلى أن قواعد الحزب أظهرت خلال المسارات المختلفة أن التنظيم القوي هو الذي يعيش في الميدان ويتفاعل باستمرار مع المجتمع، وأن مسار الإنجازات تجربة حزبية فريدة ستبقى راسخة في ذاكرة السياسة الوطنية.
وتابع أخنوش حديثه بالإشارة إلى محطات مسار الإنجازات في جهات المملكة كلها، من الداخلة، العيون، كلميم، سوس ماسة، مراكش آسفي، بني ملال، الدار البيضاء سطات، الرباط سلا القنيطرة، إلى تيسة، الراشيدية، والناظور، وطنجة — مؤكدا أن السياسة تأخذ معناها الحقيقي حين يشعر المواطن بأنها تمسه في حياته اليومية.
وأعلن بثقة وامتنان:
“أنا فخور بهذا المسار… فخور بالناس الذين التقيت بهم… وفخور بالثقة التي وُضعت فينا جميعاً.”
وأكد أن حزبه لا يعيش انسحابًا من الالتزام بل انتقال هادئ ومسؤول يفتح الطريق أمام جيل جديد من القيادة، ويمنح الحزب نفسًا جديدًا في رؤية مشتركة وموحدة نحو مستقبل واعد…”
وأعرب عن شكره لكل المناضلين والمناضلات، لكل المنسقين الجهويين والإقليميين، ولكل من سانده ورافقه في هذه المسيرة، مؤكدًا أن الهدف لم يكن موقعًا أو صفة، بل الوفاء بواجب خدمة الوطن والمواطن، وأنه يترك الحزب أكثر قدرة على مواصلة الإصلاح والتواصل مع المجتمع.
وأوصى بالتزام تام والانخراط الصادق في العمل تحت توجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مستنيرين برؤيته الصائبة لما يبتغيه من خير لهذا الوطن.
وفي ختام كلمته، شكر عائلته وفريق العمل على الدعم المتواصل، مؤكداً أن انتقاله إلى القيادة الجديدة هو تجديد لدماء العمل السياسي ومنح الحزب نفسًا جديدًا في رحلة البناء والمواصلة.
The post أخنوش يؤكد العمل مستمر لمصلحة الوطن ويعطي الثقة للجيل الجديد first appeared on صباح أكادير.

